الشيخ محمد رشيد رضا
20
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
على نفوس الذين يفهمونه وتأثيره في قلوب الذين يتلونه حق تلاوته لا يساهمه فيه كلام ، كما أن الكثير من حكمه ومعارفه لم يكشف عنها اللثام ، ولم يفصح عنها عالم ولا إمام ، ثم إن أئمة الدين : قالوا إن القرآن سيبقى حجة على كل فرد من أفراد البشر إلى يوم القيامة . ومن اأدلة ذلك حديث « والقرآن حجة لك أو عليك » ولا يعقل إلا بفهمه ، والإصابة من حكمته وحكمه . خاطب اللّه بالقرآن من كان في زمن التنزيل ، ولم يوجه الخطاب إليهم لخصوصية في أشخاصهم ، بل لأنهم من أفراد النوع الانساني ، الذي أنزل القرآن لهدايته . يقول اللّه تعالى « يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ » * فهل يعقل أنه يرضى منا بأن لا نفهم قوله هذا ونكتفي بالنظر في قول ناظر نظر فيه ، لم يأتنا من اللّه وحى بوجوب اتباعه لا جملة ولا تفصيلا ؟ كلا إنه يجب على كل واحد من الناس أن يفهم آيات الكتاب بقدر طاقته لا فرق بين عالم وجاهل . يكفى العامي من فهم قوله تعالى « قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ » الخ : ما يعطيه الظاهر من الآيات ، وأن الذين جمعت أوصافهم في الآيات الكريمة لهم الفوز والفلاح عند اللّه تعالى ، ويكفى في معرفة الأوصاف : أن يعرف معنى الخشوع والاعراض عن اللغو ، وما لا خير فيه والإقبال على ما فيه فائدة له دنيوية أو أخروية ، وبذل المال في الزكة والوفاء بالعهد ، وصدق الوعد ، والعفة عن إتيان الفاحشة ، وأن من فارق هذه الأوصاف إلى أضدادها فهو المعتدى حدود اللّه ، المتعرض لغضبه ، وفهم هذه المعاني مما يسهل على المؤمن من أي طبقة كان ، ومن أهل أي لغة كان . ومن الممكن أن يتناول كل أحد من القرآن بقدر ما يجذب نفسه إلى الخير ، ويصرفها عن الشر . فإن اللّه تعالى أنزله لهدايتنا وهو يعلم منا كل